استقلالية القضاء… برعاية سفير أجنبي!

بقلم: عباس المعلم
(كاتب سياسي)


لعلّنا أمام اكتشاف سياسي لبناني يستحق أن يُدرَّس في فقه السيادة: سفير دولة أجنبية ( السفير الأمريكي ) يدخل قصر العدل، ويلتقي مدعي عام التمييز، ثم تُوصَف الزيارة بأنها «دعم لاستقلالية القضاء اللبناني»! يا لها من استقلاليةٍ عجيبة، تحتاج إلى سفيرٍ أجنبي كي يباركها، وإلى عاصمةٍ خارج الحدود كي تمنحها شهادة حسن سلوك! والسؤال هنا ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل يمسّ جوهر المعنى: مستقلٌّ عمّن… وبمَن؟ فإذا كان القضاء لا يكتمل استقلاله إلا بحضور ممثل دولة أجنبية إلى رأس هرم النيابات العامة، فما الذي بقي من مفهوم الاستقلال أصلاً؟

المفارقة تبلغ حدّ العبث حين يُراد إقناع اللبنانيين بأن وجود النفوذ الخارجي في قلب المؤسسة القضائية يمكن أن يُقدَّم تحت عنوان تحصينها من النفوذ! فالاستقلالية ليست صورةً تذكارية في قصر العدل، ولا عبارة دبلوماسية منمّقة، ولا صكّ اعتماد تمنحه سفارة. القضاء المستقل لا يحتاج إلى سفير يزكّيه، والسيادة التي تحتاج إلى الخارج لإثبات سيادتها تكون قد نقضت معناها قبل أن تنطق باسمها.

الأشد إثارة للسخرية أن بعض الخطاب السياسي اللبناني قادر، بمهارة مذهلة، على تبديل أسماء الأشياء من دون أن يرفّ له جفن: التدخل يصبح دعماً، والنفوذ يصبح شراكة، والوصاية تتحول إلى مواكبة، ودخول السفراء على خطوط المؤسسات السيادية يصبح دعماً لاستقلالها! وبقليل من هذا المنطق، قد يصبح أفضل سبيل لحماية القرار الوطني أن نضع على باب كل مؤسسة دستورية سفيراً أجنبياً يتأكد يومياً من أنها… مستقلة!

استقلال القضاء يبدأ حين تُغلَق أبوابه أمام كل نفوذ، محلياً كان أم خارجياً؛ أما أن نرفع شعار «استقلالية القضاء» بينما نستدعي الخارج شاهداً وضامناً وداعماً لها، فهذه ليست استقلالية… بل واحدة من أكثر النكات السياسية مرارةً في بلدٍ أُفرغت فيه السيادة من معناها، ثم أُعيد بيعها للبنانيين مغلّفةً بلغة دبلوماسية أنيقة.

منشورات ذات صلة