عن مركبا: حبيبتي الأولى

بقلم: محمد باقر شحادي

قاسٍ كان وقع الصورة حين أرسلها أخي، منزل جدنا ومنزلنا الصغير في الطابق السفلي، قد صارا ركامًا، شأنهما شأن كل البيوت في حينا، بل في القرية كلها.

شعرت بغصّة في قلبي. هذا ليس مجرد بيت أو حي صغير، أو قرية حدودية، أو مجرد جغرافيا واسم، هذه ذكريات عمرها من أعمارنا.
مركبا، هي قرية حدودية في قضاء مرجعيون، عانت من قسوة الاعتداءات والاحتلال منذ أن وطأت أقدام العدو أرض فلسطين السليبة، حتى تحرير عام ٢٠٠٠.

لذا، وكسائر قرى الشريط الحدودي (سابقًا)، هي أيقونة للصمود والتحدي والمقاومة.
أما بالنسبة إليّ، فكانت الهواء الذي أتنفسه حين يخنقني صخب المدينة وزحمة الحياة. كانت السكينة والهدوء والسلام.

في مركبا أحياء صغيرة، وشوارع متفرقة، وبيوت منها القديم ومنها الجديد، والقاسم المشترك بين هذه البيوت هي أسوار أشجار التين والزيتون والرمان، والمزينة بأجمل الورود المختلفة ألوانًا وعطرًا تنثره نسمات الهواء البارد، وكانت لتلك الأحياء أسماء مختلفة تدل على قصة أو حادثة أو تفصيل خاص بكل منها.
كان حينا يُدعى «حي الكنايات» وكان في وسط القرية، إلى الجهة الشمالية الغربية منها، مدخل الحي طريق صغير تحفّه أشجار <كينا> قديمة وكبيرة يُراقص أوراقها الهواء لتطرب أسماعنا بأجمل موسيقى من حفيف الأوراق وزقزقة العصافير المزدحمة على أغصانها، ثم يوصلنا الطريق إلى مفرق الحي.

كان أغلب سكان حيّنا البسيط الهادئ، من الأقارب ومن عائلات مختلفة، وكانوا كما هم جيران في القرية، تجمعهم الجيرة في بيروت أيضًا. وبذلك كان حيًا تربط قاطنيه علاقة حميمة وطيبة وودودة.

ولهذا الحي الصغير بمساحته، الكبير بأهله وذكرياته، الأثر الأعمق في ذاكرتي، وفي ذاكرة أقراني من الأصدقاء والأقارب الذين عاشوا فيه.

كان بالنسبة إليّ العالم كله؛ يختصر الحياة بكل جوانبها. هناك، بين أزقته، تركنا نحن الأطفال أثرنا: نلعب ونصرخ ونركض. صور من كل شيء جميل عشته حينها، بكل تفاصيله.

كنت أزور القرية في زمن الاحتلال، قبل التحرير، إلا أن علاقتي بمركبا تعمقت وكبرت بعد التحرير، حين عاد الأهالي، وصارت القرية متنفسًا لأهلها هربًا من المدينة.

كنا نزورها في أيام الأعياد، ونقضي كل عطلة صيف فيها.
لا يغادر ذاكرتي كل تفصيل عشته، وكل حدث مرّ بي هناك؛ فكل شيء محفور في ذاكرتي. ولو أفردت لهذه الذكريات مجلدات، لملأتها الصور الملونة بلون الحياة.

هناك كنا نجتمع في موسم قطاف الزيتون. نساعد الكبار في تجميع الحبات المنتشرة على التراب، كأننا نجمع حبات اللؤلؤ من قاع البحر، ونأخذ بعض الزيتون إلى المعصرة، لنستخرج منه أنقى الزيوت.

وأذكر موسم سلق القمح، حيث كان الأمر أشبه بمهرجان سنوي يجتمع فيه أهل الحي، فيصير المكان كقفير النحل؛ تنتقل فيه «الخلقينة» من دار إلى دار، ويُجمع الحطب، ويُسلق القمح، ونظل من الفجر حتى آخر الليل، كبارًا وصغارًا، لننشر القمح المسلوق على السطح ليتشمس ويتيبس، قبل أن يصبح برغلًا.

ولنأكل «القلبة» مع السكر… يا لَطعمهما الساحر! ما زلت أستشعر مذاقه في فمي حتى اليوم.

وأما موسم الزعتر، فقصص وقصص. كنا نجتمع، نحن الصغار، ونتنقل بين بيوت الحي الصغير، نساعد نسوة الحي في الدق والضرب على أكياس الخيش المليئة بالزعتر، بعد أن يُنقّى بين يدي جداتنا الجميلات، لنحصل على بعض النقود والأجر، ثم ننزل إلى مطعم القرية الوحيد ونأكل «ساندويش» البطاطا الذي كنا نحبه.

وفي الأعياد، كانت مركبا تبدو وكأنها مدينة ملاهٍ. كل أطفال «الضيعة» في الطرقات، وكنا في حي الكنايات أطفالًا كثرًا من مختلف الأعمار.

وكنا ننقسم إلى مجموعتين، واحدة فيها أنا وأخي التوأم وأصدقاء من العمر نفسه، في مقابل مجموعة تضم أخي الأكبر وأصدقاءه، كأنها جيشان، لنتحارب «ببواريد الخرز»، ونرسم الخطط، ونحضّر لعمليات اقتحام لنسيطر على الموقع في «درب السوق»، بين الأشجار عند «دعسات النبي».

وكنا نزرع الجواسيس من الصبايا كي يجمعن لنا المعلومات، ولكن في آخر المطاف كنا نتحد لنواجه أولاد «الساحة»، ونخوض معركة كبيرة بالمفرقعات والأسلحة البلاستيكية، كأنها ساحة حرب حقيقية.

الصور كثيرة في بالي. فقصص الحب في الطفولة كانت تُحفر على جذوع أشجار الكينا في مدخل الحي، وأسماؤنا نكتبها على أغصان أشجار الجوز والتين.

كان وقت العصر وقت لعب الأولاد، فلا يبقى منهم أحد في المنازل، الكل في الشوارع. نجتمع ونلعب «سبع بلاطات» أو «غميضة»، أو نلعب «القنينة»، ليأمر أحدنا الآخر بأن يعترف بسر يحرجه أمام الجميع.

الجعبة مليئة بالذكريات والمحطات والأحداث التي لا تنتهي، والتي تجعلني، حين أستذكرها، أسافر عبر الوقت لأعيش اللحظات عينها من جديد.

لذا، وبعد كل تلك الصور المحفورة واللحظات الحميمة التي عشتها منذ طفولتي حتى صرت رجلًا، لا بد أن أعترف:

أنتِ، يا مركبا، أول حبيبة لي.
والحب الأول لا يُنسى، ولو مر عليه الزمن.
ولأنك حبيبتي، يا مركبا، فلا بد أن يعود المحب ليلتقي حبيبته يومًا ما، وما أقربه من يوم.
لن تبقي وحيدة، مكسورة الخاطر، دون أهلك. سيرجعون إليك بشوق وحنين كبيرين، وسترجعين حبيبتي الجميلة، المفعمة بالحياة.
وسنجعل كل بيت هُدِم فيكِ مقامًا ومسجدًا.
تحت كل حجر فيكِ أثر شهيد، وعند كل عمود منحنٍ تعب مقاوم استند إليه ليستريح، وعلى كل حبة تراب عرقُ مقاومٍ روى الأرض من بعض بأسه وصلابته.
وحق الشهداء، يا حبيبتي، سنعود.
وحقّ من سلكوا دروب السماء، وتركوا لنا من نورهم ما يضيء الطريق، سترجعين إلينا، كما كان لهم، بعد الله، فضلٌ في أن تعودي إلينا من قبل.

سنعود لنرسم ذكرياتنا لوحاتٍ على جدرانك المنحنية، وننثر أصوات الأطفال الذين يعيشون في ماضينا بين أزقتك من جديد، كأنها أصوات البلابل عند الفجر.

وسنرفع الأذان على مآذن مساجدك الراكعة، لا يغيبها التدمير؛ فبيوت الله تأبى إلا أن تكون عزيزة، ليُذكر اسم الله فيها من جديد.
وحقك، يا حلوتي، يا مركبا، سأعود.
وسأُخرج الطفل الذي في صدري وأحرره، ليركض من جديد بين البيوت والطرقات، يلعب ويصرخ ويبكي ويتشاجر، ويمرّغ جسده في غبارك، ويشم عطرك، ويجدد عهد الطفولة، ويشعل جذوة حبه لك من جديد.

مركبا… أحبك.
باقر
من أرض جبل عامل

منشورات ذات صلة